العلماء في نجد
التعامل مع النوازل والمستجدات
يحتاج إلى رسوخ في العلم، وبصيرة بالأدلة الشرعية، واستيعاب لمقاصد الشريعة وقواعد
المصالح والمفاسد، كما يحتاج إلى توصيف صحيح، وفقه دقيق لتلك الواقعة، ليتسنى
تنزيل الحكم الشرعي الملائم لتلك النازلة.
ولم يكن علماء نجد بعيدين عن قضايا واقعهم ومستجدات عصرهم، بل كان لهم تأثير بارز
ودور رئيس في حل النوازل والحوادث، فكانوا أصحاب المواقف الشجاعة إزاء تلك
القضايا، وأرباب القرار الصحيح تجاه النوازل والمستجدات؛ ولا غرو في ذلك؛ فقد أنعم
الله تعالى عليهم بالفقه في دين الله، وفهم تلك الوقائع والأحداث، ونعرض جملة من
تلك الجهود في هذا المقام:
1 - لما هجمت جيوش إبراهيم باشا على نجد في أواخر الدولة السعودية الأولى وقصدوا
استئصال الدعوة السلفية وأتباعها، ساعدهم جماعة من أهل نجد من البادية والحاضرة،
وأحبوا ظهورهم وانتصارهم، فعندئذ ألَّف الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد
الوهاب رسالته القيّمة: "الدلائل في حكم موالاة أهل الإشراك"(1).
ففي هذه الأوضاع المضطربة والفتن المتقلبة يبرز دور العلماء الربانيين، العالمين
بالله تعالى وبأمره؛ فقد صنف الشيخ سليمان رسالته في زمن فتنة، وفي أحوال مشوبة
بالخوف والهلع من جيوش إبراهيم باشا، ولا يخفى ما يؤول إليه حال بعض الخاصة فضلاً
عن العامة زمن الفتن والهلع من الذهول والحيرة والانتكاس. وصنَّف الشيخ سليمان هذه
الرسالة في وقت زاغت فيه قلوب، وانساقت إلى مظاهرة المشركين وموافقتهم، فقرر الشيخ
وبالأدلة الكثيرة أن مَنْ ظاهَرَ الكفار وتولاهم فهو منهم، كما قد وقع فيه أولئك
الخونة، يقول الشيخ سليمان بن عبد الله في هذه الرسالة:
"الدليل
السادس عشر(1): قوله تعالى :
ومن الناس
من يعبد الله على" حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب
على" وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين
{الحج: 11}. فهذه الآية مطابقة
لحال المنقلبين عن دينهم في هذه الفتنة سواء بسواء؛ فإنهم قبل هذه الفتنة يعبدون
الله على حرف، أي على طرف، ليسوا ممّن يعبُد الله على يقين وثبات، فلما أصابتهم
هذه الفتنة، انقلبوا عن دينهم وأظهروا موافقة المشركين، وأعطوهم الطاعة، وخرجوا عن
جماعة المسلمين إلى جماعة المشركين.
هذا مع أن كثيراً منهم في عافية، ما أتاهم عدو، وإنما ساء ظنهم بالله فظنوا أنه
يديل(2) الباطل وأهله على الحق وأهله، فأرداهم سوء ظنهم بالله(3)".
2 - ويعيد التاريخ نفسه؛ حيث هجمت العساكر التركية على بلاد نجد سنة 1253 ه
وساعدهم من ساعدهم حتى استولوا على كثير من نجد، فصنّف الشيخ حمد بن عتيق رحمه
الله رسالة قوية سماها: "سبيل النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل
الإشراك"(4).
فكانت هذه الرسالة سبباً في تحقيق عقيدة الولاء والبراء واستقرارها بعدما كادت
عواصف الفتن أن تزحزحها.
ونقتطف من تلك الرسالة السطور الآتية:
"أخبر تعالى أن الذين في قلوبهم مرض أي شك في الدين وشبهة يسارعون في الكفر
قائلين:
نخشى"
أن تصيبنا دائرة
{المائدة:52}، أي: إذا أنكرت
عليهم موالاة الكافرين قالوا: نخشى أن تكون الدولة لهم في المستقبل، فيتسلطوا
علينا، فيأخذوا أموالنا ويشردونا من بلداننا، وهذا هو ظن السوء بالله الذي قال الله فيه:
الظانين
بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت
مصيرا
{الفتح: 6}"(1).
3 - وفي سنة 1265ه وقعت معركة "اليتيمة" بين جيوش فيصل بن تركي وبين أهل
القصيم بقيادة أمير بريدة عبد العزيز بن محمد آل أبي عليان، واشتد القتال بين
الفريقين، وانهزم أهل القصيم وقتل الكثير منهم، وفرّ أميرهم إلى عنيزة، ولم يدرِ
ما يفعل. فأتى إليه الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين(2) وكان قاضي بلدان
القصيم فقال له: يا هذا اتق الله، واربأ بنفسك؛ فإن البلاد ليست لك ولا بيدك،
وأمرها بيد أهلها، وليس لك فيها أمر ولا نهي، وهم يريدون إصلاح أنفسهم مع الإمام
فيصل، فإن أردت أن تكون كذلك فافعل.
ثم إن رؤساء بلد عنيزة أتوا إلى الشيخ عبد الله أبي بطين وقالوا: إن هذه الأمور
التي منا وقعت، والحوادث التي منا صدرت لا يصلحها إلا أنت، ولا يزيل غضب الإمام
فيصل غيرك.
فقال لهم: إنكم تعلمون أني لست من أهل بلدكم ولا من عشيرتكم، ولا يحسن مني الدخول
في هذا الشأن الذي أوله إلى آخره من تسويل الشيطان؛ فأعفوني ودعوني، وأرسِلوا في
هذا الأمر غيري.
فقالوا: إن هذا الأمر تعيّن عليك والصلح لا يصلح إلا على يديك، فركب الشيخ عبد
الله إلى الإمام فيصل وهو في بلد المذنب فأكرمه وأجابه إلى كل ما طلب من العفو
والصفح عنهم، وأعطاهم الأمان(3).
4 - لما توفي فيصل بن تركي سنة 1282ه، وتولى الحكم من بعده ابنه عبد الله، حصل
شقاق واختلاف بين عبد الله وأخيه سعود، فوقعت حروب طاحنة، وفتن متلاطمة بين عبد
الله وأخيه سعود.
وكان للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمهم الله دور ظاهر في الإصلاح، وجمع
الكلمة وحفظ الدماء، ودرء الفتنة، ودفع الشر والفساد بحسب الطاقة.
لقد أوتي الشيخ عبد اللطيف قوة وبصيرة، وحكمة وعلماً، ونصحاً وإشفاقاً على الراعي
والرعية.
وقد سطّر الشيخ عبد اللطيف رسائل كثيرة(4) أثناء تلك الفتنة الطويلة(5) تضمنت
عرضاً شاملاً، وتحليلاً وافياً لتلك الأحداث الجسام، وموقفه من تلك النوازل(1).
5 - وفي سنة 1308ه انهزم أهل القصيم أمام محمد بن رشيد في واقعة المليداء، وقتل
منهم ألف رجل، ولما ظفر ابن رشيد ذلك الظفر انتقل من معسكره، ونزل بالقرب من
بريدة، وكان قد غضب على أهل القصيم وحلف بالطلاق أن يبيحها، وهابه أهل القصيم
مهابة شديدة، فجعلوا يتوقعون ماذا يحله بهم من العقوبات، فخرج إليه الشيخ العلاَّمة
محمد بن عبد الله بن سليم(2) رحمه الله وذكَّره بآيات العفو، وحضَّه على المسامحة
والصفح، وقال له: يا ابن رشيد! اذكر قدرة الله عليك، واعلم أنه من فوق الجميع،
فبكى محمد بن رشيد وقام مستوياً على قدميه يقول: اللهم إني قد عفوت، يشير بيده إلى
بريدة ويكررها، ثم جلس وقد سكن غيظه، وانكسرت حدته، فأكرم الشيخ وسأله عن يمينه
بالطلاق فأفتاه الشيخ (3).
6 - وفي عصرنا الحاضر عصفت رياح التغريب ببلاد المسلمين، فظهر تيار جارف من
الأفكار المستوردة، وكمٌّ هائل من النوازل والمستجدات، ولقد كانت القوانين الوضعية
بمختلف صورها وأنواعها من أشنعها جرماً وإثماً، وأخطرها ضرراً.
وقد تصدى علماء نجد لتلك القوانين، وكتبوا رسائل ونصائح عديدة، منها تحذير الشيخ
سليمان بن سحمان رحمه الله من التحاكم إلى الطواغيت، فكان مما قاله: " إن
كثيراً من الطوائف المنتسبين إلى الإسلام قد صاروا يتحاكمون إلى عادات آبائهم،
ويسمون ذلك الحق بشرع الرفاقة كقولهم: شرع عجمان، وشرع قحطان، وغير ذلك، وهذا هو
الطاغوت بعينه الذي أمر الله باجتنابه.
فمن فعله فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل
ولا كثير"(4).
وأما الشيخ العلاَّمة محمد بن إبراهيم رحمه الله فقد كان بصيراً بخطر تلك المؤسسات
الوضعية، ومن ثم اتخذ موقفاً حازماً تجاه أي هيئة أو مؤسسة ذات حكم وضعي(5).
وألَّف رسالة عظيمة بعنوان: "تحكيم القوانين" قرر فيها بالأدلة الشرعية
وجوب إفراد الله تعالى بالحكم، وذكر الحالات التي يكون فيها الحكم بغير ما أنزل
الله تعالى كفراً أكبر أو كفراً أصغر.
وكتب الشيخ عبد الرحمن الدوسري رحمه الله مؤلفاً في ثلاثة أجزاء بعنوان:
"الحق أحق أن يتبع" في الرد على القوانين الوضعية(1).
7 - وأما العلاَّمة عبد الرحمن الناصر السعدي (ت 1376ه) فهو أبرز علماء نجد في
علاج القضايا والنوازل، حيث كان أنموذجاً متميزاً في هذا الباب، فكان مدركاً
لمستجدات عصره ومتغيراته، ويتجلى ذلك فيما يلي:
أ - مناداته بأهمية التعرف على السياسة الدولية ومقاصدها؛ حيث يقول: "قد
عُلِمَ من قواعد الدين أنَّ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وأن الوسائل لها
أحكام المقاصد، ولا يخفى أنه لا يتم التحرز من أضرار الأمم الأجنبية والتوقي
لشرورها إلا بالوقوف على مقاصدهم ودرس أحوالهم وسياساتهم، وخصوصاً السياسة الموجهة
منهم للمسلمين؛ فإن السياسة الدولية قد أسست على المكر والخداع وعدم الوفاء،
واستعباد الأمم الضعيفة بكل وسائل الاستعباد؛ فجهل المسلمين بها نقص كبير وضرر
خطير، ومعرفتها والوقوف على مقاصدها وغاياتها التي ترمي إليه نفعه عظيم، وفيه دفع
للشر أو تخفيفه، وبه يعرف المسلمون كيف يقاتلون كل خطر"(2).
ب - وكتب العلامة السعدي رسالة رائعة إلى الشيخ محمد رشيد رضا سنة 1346ه(3) يقترح
عليه أن تُعنى مجلة المنار بالردّ على الملاحدة والزنادقة.
ويظهر من خلال هذه الرسالة ما كان عليه السعدي من سعة الاطلاع، وبُعد الأفق،
ورحابة الصدر؛ حيث طالع مجلة المنار، وأثنى عليها خيراً، وأبدى شيئاً من مآثرها في
نصرة الإسلام والمسلمين، مع أن المجلة تكاد تكون مفقودة في نجد آنذاك، بدليل أن
محمد رشيد رضا في جوابه على رسالة السعدي يقول: "كنت منذ سنين كثيرة أتمنى لو
يطَّلع علماء نجد على المنار، ويفتح بيني وبينهم البحث والمناظرة العلمية الدينية
فيما يرونه منتقداً لينجلي وجه الصواب فيها، وقد كنت كتبت إلى إمامهم(4) بذلك،
وإنني سأرسل إليه عشر نسخ من كل جزء ليوزعها على أشهرهم، وفعلت ذلك عدة سنين، ولكن
لم يأتني منه جواب، ثم ترجَّح عندي أن تلك النسخ كانت تختزل من البريد البريطاني
في سنيّ الحرب وما بعدها"، بل إن الشيخ السعدي كما في هذه الرسالة قد طالع
تفسير "الجواهر في تفسير القرآن" لطنطاوي جوهري، وكشف عن مزالقه، مع أن
السعودية قد منعت هذا الكتاب ولم تسمح بدخوله إلى بلادها؛ لما تضمنه من
انحرافات(1).
كما ألمح السعدي إلى ما نسب إلى مجلة المنار من تأويلات فاسدة فقال بكل تؤدة وأدب:
"وقد ذكر لي بعض أصحابي أن مناركم فيه شيء من ذلك، وإلى الآن ما تيسر لي
مطالعته، ولكن الظن بكم أنكم ما تبحثون عن مثل {هذه} الأمور إلا {من} وجه الردّ
لها والإبطال، كما هي عادتكم في ردّ ما هو دونها بكثير".
ج - ومن جهود العلامة السعدي في علاج النوازل الحادثة أنه حرر مسألة "زراعة
الأعضاء" تحريراً بليغاً(2)، فكان مما قاله في مطلع هذه المسألة: "جميع
المسائل التي تحدث في كل وقت سواء حدثت أجناسها أو أفرادها يجب أن تُتَصور قبل كل
شيء؛ فإذا عُرِفت حقيقتها وشُخِّصت صفاتها، وتصورها الإنسان تصوراً تاماً بذاتها
ومقدماتها ونتائجها، طُبِّقت على نصوص الشرع وأصوله الكلية؛ فإن الشرع يحل جميع
المشكلات، مشكلات الجماعات والأفراد".
8 - وأما العلاَّمة عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله فقد تميَّز بمزايا
فريدة، منها عنايته بعلاج النوازل وما يستجد من مسائل وقضايا، وقد ظهرت فيه هذه
الميزة في وقت مبكر لما كان قاضياً في الدلم منذ سنة 1357ه؛ حيث أسهم في حل قضايا
ومشاكل هذا البلد، فعالج مشكلات السيل الذي أصاب الدلم سنة 1360ه، ولما توفي أمير
الدلم سنة 1367ه استدعى ابن باز الأهالي واتفق معهم على أمير البلد، كما اهتم
بإصلاح الطرق وإنشاء المدارس النظامية (3).
ولما ظهرت القومية العربية وانبهر بها كثير من العرب، كان الشيخ من أوائل العلماء
الذين كشفوا عوارها وفسادها كما جاء في رسالته "نقد القومية العربية"،
كما أنكر الشيخ ابن باز الاحتفالات المحدثة والأعياد المبتدعة منذ 1369ه، وعاصر
الشيخ خلال عمره المديد جملة من الفتن والأحداث الكبيرة، فكان منهج الشيخ تجاه تلك
النوازل يتسم بالاعتدال والتوسط والبعد عن الانفعال وردود الأفعال، فرحمه الله
تعالى رحمة واسعة.
وأخيراً: فإن جهود هؤلاء الأعلام تجاه النوازل كثيرة سواء كانت جهوداً علمية أو
عملية، ولعل هذه الأمثلة المذكورة تكون حافزاً لطلاب العلم وأهله في السعي إلى
بيان المسلك الشرعي تجاه المستجدات؛ فما أكثر الأحداث والنوازل في هذا العصر التي
لم تحرر علماً وتحقيقاً، وما أكثر المستجدات التي تحتاج إلى مواقف عملية واضحة؛
فالتنصل والانزواء ليس حلاً ولا تبرأ به الذمة، والله المستعان.